محمد راغب الطباخ الحلبي

304

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

في شرح الأرجوزة وكشف غوامضها وتبيانه للحقائق ووصفها كما هي ، وأتمنى أن يكون لنا أمثاله نبغاء في زماننا الذي قضى علينا بإهمال مخلدات آبائنا وفيها من الكنوز ما لا يستهان به . 10 ربيع الأول سنة 1339 الطبيب عبد الرحمن الكيالي . ا ه . إن العصر الذي نشأ فيه المترجم لم يكن آهلا برجال الطب حتى ينبغ فيما بينهم ، كما أنه لم تكن علماء الدين متوفرة حتى يتخرج على يديهم ، فما هو السبب في تقدمه بفن الطب وتفوقه بعلوم الدين . إن السبب يرجع إلى تلك المواهب التي كان يحملها وذلك العقل الفوار والذكاء النادر . تمكن بعقله وقوة إرادته وذكائه إلى أن يتعلم ويتلقى فن الطب عن شيخه ، فلما رحل لم يقف عند حد ما تعلمه بل سافر إلى إدلب وأتم ما نقصه من علوم الشريعة على أبناء عمه . لم يكن في عصر الأستاذ الطيار عناية بفن الطب في هذه البلاد ، فاشتغاله فيه وتفوقه كما شهد له الطبيب السيد عبد الرحمن برهان واضح على علو همته وكبر نفسه . إن إنسانا يعيش يتيما ويتربى على يدي عمته في مثل سرمين في عصر انصرفت النفوس فيه عن تحصيل العلم الضروري فضلا عن مثل فن الطب ، ثم يتقدم في مضمار الحياة ويكون له منزلة كبيرة أينما توجه وحيثما سار وفي أي محل نزل لهو رجل طلاع إلى منازل العلياء والشرف ، نزاع إلى المجد الأثيل ، وهكذا كان الأستاذ الطيار فإنه لم يعرف الطب فيقف على حقائقه ، والأقرباذين فينتهي عندها ، بل كان له لسان فصيح وأسلوب في مخاطباته قلما يجاريه في عصره أحد . وكان الأستاذ الشيخ يوسف الجمالي تنازل للأستاذ الطيار عن تدريسه بالجامع الكبير الأموي ، كما فرغ له مشيخة المدرسة القرموطية رغبة منه أن يكثر نفع الطلبة من علومه وفضله ، ومن ثمة باشر بإحياء النفوس بما يلقي عليها من علوم الدين في الجامع الكبير والمدرسة القرموطية ، ومداواة الأجسام من أمراضها حينما يرجع إلى منزله . واستمر رحمه اللّه يشتغل بعلم الأديان وعلم الأبدان إلى أن دعاه إلى جواره فلبى نداءه في سنة 1278 هجرية ودفن بمقبرة العبّارة .